محمد بن جرير الطبري
46
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
إلى مقعد فهو له ، حتى يقوم منه إلى بيته أو يفرغ من بيعه ، وقد كانوا أعدوا مناخا لكل رادف ، فكان كل من يجيء سواء فيه - وذلك المناخ اليوم دور بنى البكاء - حتى يأتوا بالهياج ، فيقوم في امرهم حتى يقطع لهم حيث أحبوا وقد بنى سعد في الذين خطوا للقصر قصرا بحيال محراب مسجد الكوفة اليوم ، فشيده ، وجعل فيه بيت المال ، وسكن ناحيته ثم إن بيت المال نقب عليه نقبا ، وأخذ من المال ، وكتب سعد بذلك إلى عمر ، ووصف له موضع الدار وبيوت المال من الصحن مما يلي ودعه الدار . فكتب اليه عمر : ان انقل المسجد حتى تضعه إلى جنب الدار ، واجعل الدار قبلته ، فان للمسجد أهلا بالنهار وبالليل ، وفيهم حصن لمالهم ، فنقل المسجد واراغ بنيانه ، فقال له دهقان من أهل همذان ، يقال له روزبه بن بزرجمهر : انا ابنيه لك ، وابني لك قصرا فاصلهما ، ويكون بنيانا واحدا فخط قصر الكوفة على ما خط عليه ، ثم انشاه من نقض آجر قصر كان للاكاسره في ضواحي الحيرة على مساحته اليوم ، ولم يسمح به ، ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال منه إلى منتهى القصر ، يمنه على القبلة ، ثم مد به عن يمين ذلك إلى منقطع رحبه علي بن أبي طالب ع ، والرحبه قبلته ، ثم مد به فكانت قبله المسجد إلى الرحبه وميمنه القصر ، وكان بنيانه على أساطين من رخام كانت لكسرى بكنائس بغير مجنبات ، فلم يزل على ذلك حتى بنى أزمان معاوية بن أبي سفيان بنيانه اليوم ، على يدي زياد . ولما أراد زياد بنيانه دعا ببنائين من بنائي الجاهلية ، فوصف لهم موضع المسجد وقدره وما يشتهى من طوله في السماء ، وقال : اشتهى من ذلك شيئا لا أقع على صفته ، فقال له بناء قد كان بناء لكسرى : لا يجيء هذا الا بأساطين من جبال اهواز ، تنقر ثم تثقب ، ثم تحشى بالرصاص وبسفافيد الحديد ، فترفعه ثلاثين ذراعا في السماء ، ثم تسقفه ، وتجعل له مجنبات ومواخير ، فيكون أثبت له فقال : هذه الصفة التي كانت نفسي تنازعنى